عبد الملك الجويني
403
نهاية المطلب في دراية المذهب
والأصل فيه ما روي أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : إني أريد أن أجاهد معك ، فقال صلى الله عليه وسلم : " ألك أبوان ؟ فقال : نعم . قال : فكيف تركتهما ؟ قال : تركتهما وهما يبكيان . قال : ارجع إليهما ، وأضحكهما كما أبكيتهما " وفي بعض الروايات : " ففيهما فجاهد " ( 1 ) . وهذا الذي ذكرناه متفق عليه ، وهذا محتوم ليس من قبيل الاستحباب ، فلا بدّ من رضا الوالدين إن كانا مسلمين . فأما إذا كانا مشركين ، لم يفتقر الخروج إلى الجهاد إلى إذنهما ؛ لأنه يجاهد أهل دينهما . وقد قال تعالى : { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا } [ لقمان : 15 ] ؛ مَنَع من طاعتهما في أصل الشرك ، وكذلك الجهاد مع أهل الشرك . وقد غزا أبو حذيفة عبدُ الله بنُ عتبة بنِ ربيعة ، مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبوه كان كافراً من كبار قريش ، ولا شك أنه كره ذلك . وغزا عبد الله بنُ أبي بنِ سلول مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يخفى كراهةُ أبيه ؛ فإنه كان يخذّل [ الأجناد ] ( 2 ) ، حتى خذل ثلث الجند عام أحد ، فكيف كان يرضى بخروج ابنه . هذا قولنا في سفر الغزو الواقع فرض كفاية ، فأما إذا استجمع الابن الأوصاف المعتبرة في استطاعة الحج ، فلا خلاف أنه يجوز له الخروج ، وإن سخط أبواه ؛ فإنه منتهض لسفرة متعينة عليه ، وليست سفرة الموت ، وإن كان وقوع الموت متوقعاً في كل نفس . 11285 - فأما الخروج لطلب العلم ، فسنذكر تفصيلاً في طلب العلم ، ولكن ننجز هاهنا ما يتعلّق بالسفر ، حتى تجري الأسفار في نظام التفصيل الذي نريده .
--> ( 1 ) حديث : " ألك أبوان ؟ . . . قال : ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما " . وفي رواية : " ففيهما فجاهد " . رواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة ، والحاكم ( أبو داود : الجهاد ، باب في الرجل يغزو وأبواه كارهان ، ح 2528 ، النسائي : البيعة ، باب البيعة على الهجرة ح 4168 . ابن ماجة : الجهاد ، باب الرجل يغزو وله أبوان ، ح 2782 ، الحاكم : 4 / 152 ) أما رواية : " ففيهما فجاهد " فمتفق عليها ( البخاري : الجهاد والسير ، باب الجهاد بإذن الأبوين ، ح 3004 ، مسلم : البر والصلة ، باب بر الوالدين وأنهما أحق به ، ح 2549 ) . وانظر التلخيص : 2 / 552 ح 1115 ، و 4 / 172 ح 2179 ، 2180 . ( 2 ) في الأصل : " الأجانب " .